الخميس، 16 يونيو 2022

كسل يبدو فاتن في روب الاستحمام.

 اطلع فيني هيك هودي مش عينيك.

تصدح الأغنية في الغرفة بصوت عالي، بينما أنا لازلت في روب الاستحمام لم أتجفف بعد وليس لي رغبة في الخروج منه، تستحثني كارول سماحة على الرقص، بينما أنا أتمدد في كسل على صوفا متهالكة تشبه طاقتي مؤخراً، أتمدد على الكنبة تتكشف ساقي بينما أحاول مدَّ يدي للوصول للريموت كنترول لأرفع الصوت أكثر. بينما تركت كتاب لطيف ينتظر على الطرف، هل أخبرتك أني لم أعد أستطيع القراءة إلا متبطحة ووسادة ناعمة تحت صدري لأتغلب على ألم عضلات الأكتاف مؤخراً.

يدور شريط كامل من الأغاني والفيديوكليبات من أمامي، فضل شاكر بينما يغني روح ياحبيبي روح وأنا أتذكر غيرتي عليه في فيديو كليب أغنيته " مأثر فيٍّ وفي عيني" وأنا أقترب من الشاشة وأردد معه " شوي شوي عليَّه". وهو يحاول احتضان المودل وأنا أكرر "مودل يحتاجها في الفيديو أكيد .. هذه حركات ليس عفوية أبداً بينما هي مكتوبة ومدروسة ومكررة ربما ألف مرة لتظهر بهذا الشكل". لكنها قطعاً الأغنية التي تركت شرخاَ في علاقتي مع فضل شاكر. هكذا لم يعد يبدو لطيفاً ولا شهياً. 

بعدها يختار التلفاز أغنية قلبي مش مطمن لإيهاب توفيق وليست أغنيتي المفضلة له بينما أحببت له أغنية "غلطان في غيرتي عارف علشان عليك خايف" وهي تشرح شعور الغيرة المخيف الذي قد يجعلني في علبة محكمة الإغلاق فقط ليهدأ شعور الغيرة. 

ثم يدخل إعلان في منتصف المشهد يتركني ألتقط أنفاسي عن هذه العصرية الباهتة، أعود للقراءة ربما أو لالتقاط صورة بينما أنا أبدو فاتنة هذا اليوم. هل قلت فاتنة، هذه الكلمة تتركني في ابتسامة لطيفة بينما أتذكر غزل أختي وأنا أتخطى درجات القاعة في فستان ضيَّق وبظهر مفتوح وفتحة للساق تسمح لي بالتخطي ربما " فتنة الحفل زيدي مشيتك مخطرة" كانت ابتسامة غامرة وكأنها تشعَّ من روحي.

هكذا أنا دائماً أبدو فاتنة جداً بينما أبدو حزينة، هذه الهالة الفضية واللامعة على وجنتي وعلى ابتسامة ثقيلة معلقة على شفاهي، حتى أني سأبدو بلهاء جداً في الفرح. هاهي روبي وأغنيتها " ليه غاوي تفارق ليه وتبعد ليه" بينما أترك الصوفا وهذا الحزن يتحول لرقصة، أنا أرقص عندما أكون حزينة، وكأن الرقص في حزن جلي يأخذ روحي في خطواته، ألاحق خطوات روبي في الرقص بينما أتذكر نورة وهي تكرر أتذكرك في روبي وأغنياتها. 

رقصت حزينة مرة على أغنية نوال الكويتية " ضاقت عليك ومالقيت إلا أنا تقلي اش رايك في محبوبي الجديد " وعلى أغنية شيرين " كتر خيري إني قابلته واستحملته ياقلبي زمان .. يجي عليه وأعديها ويسوء فيها معايا كمان ومن كتر عمايله بقول له كفاية أنا وأنت بقينا خلاص سيرة على كل لسان".

ورقصت حزينة وأنا أنفض يدي من المحاولات بينما أفاجأ بأغنية ماجد المهندس في حفل لندن " هذا آخر كلام وياك أعلن انسحابي .. ضيع لي شبابي". وكنت أسمعها لأول مرة وكأنما كنَّا في مشهد مسرحي وهذه الأغنية قمة المشهد.

بينما صفوف من الحاضرين الحفل كلها تعلن انسحابها من شعور ما وهي تردد بصوت أعلى من صوت ماجد، وأنا أرقص بخطوات حزينة ومرتابة وتعرف القرار الأخير وأكيدة منه لكنها تؤجله.

أف..

ينتهي اليوم بأغنية إلهام مدفعي "خطَّار عدنها الفرح".

هكذا يبدو الفرح زائر خفيف ومنتشي وليس لديه رغبة سوى في الزيارة ولانية له البقاء. لن يقبض على كفيك بشدة ولن يغمرك في أحضانه ولن تصل معه حتى إلى النشوة. وحده الحزن يحمل هذه الأحاسيس العميقة والقوية والتي تحفر في روحك. لن تغادرك هذه السنوات مهما اصطنعت البهجة، أنت حزين في ملامحك وفي ضحكاتك وفي صوتك الذي تجره وكأنه نواح، كأنما هو صوت من سنوات بعيدة، عيونك التي تفضحك مهما بالغت في ابتسامتك، مهما كانت خطواتي فاتنة وضحكتي تربط القلوب بخيوط رفيعة لكنها لاتزال ثقيلة بالحزن مهما بدت رشيقة لك. 

أرمي الريموت كنترول، وأنا أرمي فعلياً محاولاتي كلها في صنع السعادة دفعة واحدة. هذا دور ثقيل ولم أعد قادرة عليه. ليس بيدي أن أحمل العتمة في صدري بينما أحاول إضاءة ابتسامة على شفاه كل من يهمني شأنه. سأكون حزينة الآن من داخلي وستتسرب هذه العتمة حتى من أناملي.

هل تعرف كيف سيبدو الأمر، إنه مثل شخص يرفع صوته عالياً لينفي عنه تهمة النعاس بينما أرفع صوتي بالضحكات حتى أبعد عني تهمة هذه الحالة الرمادية.

عذراً يجب أن أتوقف الآن فطلال يغني "تعلَّق قلبي طفلة عربية".


الاثنين، 6 يونيو 2022

إلى صديقة مصابة بالأرق.


ترددت كثيراً قبل كتابة هذه التدوينة، ربما لأول مرة اختبر مثل هذا الكتابة عن تجربة حيَّة أعيشها، عادات بسيطة لتحسين جودة اليوم.

 

في البدء كان هذا الركض:

وسبق وتحدثت عن تجربة الركض في تدوينة سابقة، عن كهف المشاعر الحالك، الأحاسيس الضيَّقة مثل قميص قديم، والأيام التي نقضيها سباحة في الرتابة. هكذا مصادفة تعرفت على المشي والركض، في تحدي بين الأصدقاء، كانت الأيام الأولى شاقة مثل أن تنتزع نفسك من الكنبة. الخروج من الصالة والكنبة المريحة وحتى شيء بسيط مثل أن تختار الحذاء المناسب للركض.

كان اسبوعاً شاقاَّ ثم تحوَّل الأمر إلى حبل نجاة، أمد له يدي كلما حاولت الخروج من شعور ضيَّق يتصعد حرجاً في السماء.

هكذا تحوَّل أمراً مثل المشي لعادة مع الوقت، حتى بدأت في تحديد مستوى جودة اليوم من عدد الساعات التي مشيتها أو الكيلوات التي قطعتها.

أتذكر أن أكبر مسافة قطعتها وحسبتها لي الساعة في حدود العشرين ألف خطوة. كان ذلك اليوم هادئاً جداً ومتمدداً في استراحة، ينظر للناس والعالم والحياة وهو مبتسم. حتى كانت الدهشة " أوه نوف هل أنت بحاجة لعشرين ألف خطوة للوصول إلى هذا المزاج الصافي جداً".

 

حتى سقطت في جنة اليوقا:

مصادفة جميلة عرفتني بها، رابط وحديث مع صديق عن اليوقا والتأمل والاسترخاء بعد حديث مشترك عن الحياة المزدحمة والركض الذي لايتوقف حتى لو كنَّا نسبح في الرتابة. عما تسقطه على كاهلنا مواقع التواصل الاجتماعي من تحديات في محاولات مجاراة الإنجازات التي من حولنا. مثل سبعة كتب في سبعة أيام، مناقشة فيلم ربما، الحديث عن مائة كتاب إن لم تقرأها فأنت عار على الثقافة والقراءة، عازفون إن لم تطرب لموسيقاهم فأذنك الموسيقية تحتاج تنظيف.

حتى شاركني قناة على اليوتيوب رفعت عليها المدربة تحدي لممارسة اليوقا لثلاثين يوم فقط.. والانتقال من مستوى متوسط لمستوى أعلى خلال هذه المدة.

كان الحماس في البدء للمشاركة وفي التنافس ذاته، الانتقال من تحدي لآخر للفوز فقط، حتى كان الاستعداد لليوقا في أول أربعة أيام قطعة من العذاب وجزء من المشقة، مثل واجب ثقيل وسمج ولا أنظر للهدف منه بقدر الانتهاء منه في سباق.

حتى الاستعداد كان في عجل والركض لايزال في صدري لملاحقة بقية اليوم، إلى اليوم الخامس والذي استيقظت فيه بهدوء ولم أغادر السرير بعد، في تململ واضح وتعب وعدم رغبة في النهوض مجدداً. مثقلة بليلة البارحة، حتى أكدت لنفسي بصوت مسموع أن هذا يوم بحاجة لجلسة يوقا.

عندها عرفت تماماً أن هذه التجربة لن تمر مرور الكرام ولن تمضي بدون أن تترك أثرها علي، وهذا الأثر جميل ولطيف، وبدأ ينعكس على مشاعري طيلة اليوم، حتى لو كانت الحلقة لا تتجاوز العشر دقائق في الغالب، السكينة التي تحلَّ علي بعدها والطمأنينة التي تبدأ تنتشر مثل بقعة لون فاتحة في كوب ماء، بدأت الجلسات بدون تخطيط وبدون أدوات مجهزة. بدأت في التسوَّق وأنا أفيض بهجة. كأنما وقعت على عنوان كتاب بديع للقراءة. التسوَّق بدءاً بشراء الشموع برائحة اللافندر، مات، حبال للتمدد، قفازات مطاطية، جوارب للثبات أكثر على المات. حتى أن التسوَّق لهذه الجلسات التي لاتتجاوز نصف ساعة في اليوم قد تأخذ وقتاً أطول منها.

بدأت في البداية فقط للانتهاء من التحدي ومتابعته، لكنني بدأت في الأسبوع الثاني انتبه وأنصت جيداً لجسدي، العضلات التي يستهدفها تحدي اليوم، هل تحمل هذه العضلات بعض الآلام الخفية عني، الاستطالة والمرونة والتي سأحظى بها لبقية اليوم. الحلقات التي تبدأ تتدرج بين صعبة في حلقة وسهلة في الحلقة التالية. ثم بدأت التركيز على التنفس خلال هذه التمارين. حتى الجلوس بعد الانتهاء من كل حلقة لبضع دقائق في وضعية الجنين على الجانب الأيمن دون أفكار تدور مثل عاصفة، وأنا أرتب التنفس ليتمدد في جسدي بالكامل.

فكانت نافذة فتحت في حياتي فجأة، ودخل من خلالها خطوط نور دافئة.

 

مغطس كما في الأفلام:

بدأت بعدها في إضافة مغطس دافئ كل ليلة قبل النوم، مغطس دافئ مع أملاح وشموع وكتاب. حتى لو أني سأكون حريصة طوال النصف ساعة في محاولات حفظ الكتاب من البلل. لكنها تجربة كانت ساحرة كذلك مثل الأفلام. لازلت لم أجرؤ على أن استمتع بالموسيقى بعد. لكنني شعرت وكأنني فتاة في مشهد مقتطف من فيلم، بتسريحة شعر متهدله وتسقط على وجهي.

لكنه شعور غامر بالهدوء، مثل عودة للطبيعة، لاحتضان دافئ، وصوت الماء يثير في الروح المتلاطمة الرغبة في أن تهدأ وتنسجم.

 

كوب من الأعشاب بدلاً من كوب من القهوة:

إضافة بسيطة على ركن القهوة، علبة من الأعشاب من اليانسون والبابونج والشمَّر، بكميات متساوية، كانت خياري في كل مرة أخرج من المغطس الدافئ لأحظى بكوب.

 

إضافة بسيطة قبل مغطس كما في الأفلام:

كانت فكرة إضافة تدليك الجسم بفرشاة جافة، تحريك للدورة الدموية من الأسفل لأعلى، ابتداء بالقدم اليسرى وحتى الأكتاف، حريصة على الضغط والفرك، لتحريك الدورة الدموية ولم أكن فعلياً مهتمة بتحريك الدورة الدموية التي لن تتوقف حتى أحفزها على الحركة، لكن كان الشعور اللطيف في الدغدغة.

 

الشمس.. الشمس:

في محاولة لتحسين جودة النوم وضبط الساعة البيولوجية، كان من الضروري التعرض للشمس نصف ساعة في الشروق ونصف ساعة قبل الغروب، وترك فرجة في الستائر طوال اليوم ليدخل منها النور لضبط ساعة اليوم مثل ساعة شمسية.

 

حتى في نهاية الشهر المنصرم، وجدت أن كل هذه العادات العصيبة في بداية الأمر والثقيلة، قد تحولت لعادات لا يمكن أن أتخطى اليوم دونها، حتى صارت تحدث دون انتباه مني لها، دون جهد واضح. تحدث مثل تعاقب طبيعي لليوم.

 

هل سيتمدد هذا الشهر للأشهر الباقية، هل ستكون كل هذه العادات ممتدة لبقية الشهور، أم سيوقفها الملل في طريق الحياة، هل ستتعثر أم ستبقى صامدة. لكنها كانت جزء شاق في البدء وتحوَّل مع مرور الوقت لفسحة شاسعة لضبط مزاج وحشي وبريَّ ومنفلت لمزاج أكثر سكينة.

الأحد، 5 يونيو 2022

حزن دبق مثل عسل في اليد.


مات خالي الطيَّب منذ أربعة أيام. لكنني لم أفهم حزن أمي عليه، فلم يكن ذلك الحزن الواضح، البكاء والفجيعة والصياح وكل مظاهر حلول المصيبة.

لكن على العكس، كان بحر من الهدوء الذي لا يبشر بخير.

أعرف أنها حزينة للغاية، لكن هذا حزن لا ألمسه، مثلما أني أسير بموازاته، لا يظهر للعلن، وليست جروح طفيفة ولكنه حزن ينخر العظم.

تنتظرنا أيام رمادية، أيام ثقيلة وعلينا السباحة فيها شعوراً وإحساساً ورتابة مثل بقعة طينية.

هكذا كانت علاقتنا مؤخراً، أنا وأمي ولاتزال. قد كانت أكثر شراسة في سن مبكرة ومتطلبة، لكنها الآن تنحى منحى الصمت، مثل كلام طويل لطالما قوبل بمنتهى السميَّة، حتى يكف عن المحاولة وينفض الكلام أكفه من المحاولة ويختار السكوت.

كنت اخترت منذ وقت "سكت الكلام عن الكلام" عنواناً. هذا بالفعل ما أعنيه، المسافات الآمنة التي تعيش فيها كلاً منَّا، دون أن تتجاوزها إحدانا لتبلغ الأخرى.

كأنما كانت تملك كل واحدة فينا مربعات خاصة بين الأبيض والأسود كرقعة شطرنج، لتتحرك فيها بمعزل عن الأخرى.

لا تلمسني أمي سوى في مناطق الوجع، ولا ألمسها إلا في الكلمات الحادَّة، دون تربيت على الأكتاف ولا طبطبة على الظهر، حتى أن تزورني الحمَّى وتغادر دون كف باردة تقيس مدى خطورتها ولا تمتمات بالمعوذات. كل هذا الدور العظيم كان على عاتق أبي.

لكننا اعتدنا مع العمر هذه الكرات الزجاجية التي تعيش فيها كلاً منَّا دون أن تخدش الكرة الزجاجية للأخرى.

لكنها في وفاة خالي كانت تبحث من بين عيون ناقلي الخبر عن عيني حتى أنفي هذا الأمر برمته، كنت أحاول مغالبة دموعي كمن يحاول الصمود، لكنه مهزوم قبل أن تبدأ معاركه. وقفت في حزم أحاول بيعها كذبة مؤقته تمرر الوقت أو تجعلها أكثر تقبلاً للفكرة وحقيقة الأمر. لكنه حدث. لقد مات خالي بالفعل. خالي الطيَّب جداً والذي يحمل معه ذاكرة أبي.

خالي الذي قد أكون ورثت حب القراءة منه، بينما لا أتذكره إلا يحمل كتاباً أو صحيفة أو مصحفاً ليقرأ. هل ذكرت لكم أنه مدرس رياضيات كذلك. هل أخبرتكم عن المرَّة التي مسك فيها رأسي بينما أجلس كطفلة بين قدميه استمع لحديثه: "هالبنت مخها ألماس .. ألماس .. لكن عليه طين وحجارة وجزء عليه فحم، يبغاله دعك".

تذكرت هذا الحديث الذي دار بيننا اليوم، بينما أختي تسألني عن موضوع طرحته من قبل وتؤكد لي أني طرحت هذه الفكرة من قبل. كنت متشككة من الأمر لكنني علقت " ممكن _ يا كثر أفكاري".

يا كثر أفكاري.

ولا أظن كل هذا الصداع المتراكم والقلق والتعب والسخونة إلا جراء تراكم الأفكار في رأسي، كأنما تتكثف السحب في رأسي دون أن تمطر.

هذا الصباح تظهر على ملامح أمي ملامح الفقد. ما أخافه سؤالها الساعة كم؟ احنا صبح ولا ليل؟ أفطرنا ولا باقي؟  هذه الدوامة من التيه والوجه والضبابية.

"أبد يمَّه احنا الوقت اللي تبين وش ورانا؟".


السبت، 9 أبريل 2022

غرفة متوحشة ربما. أو منزل يشعر بالغضب.

 

حتى البيوت تشعر بالإهمال يا صديقي.

صحيح أنه كانت هناك بعض الإشارات الوامضة، أصوات واضحة، لمحات تؤكد كل ذلك ولكنني كنت منشغلة عنها تماماً.

كنت أعيش الفكرة الحلم، العزلة الواجبة، الانتقال من منتج تجميل لآخر، تجربة تطبيق توصيل وتقييمه، محاولة الحصول على كل انتباهي، حتى دخلت القوقعة.

كنت أنظر للجميع من حولي من بعيد، تصلني أحاديثهم ولا تلمسني، في منطقة نائية ربما.

حتى بدا لي أن الأثاث يئن، يشعر بالإهمال، وتلك الأصوات التي أسمعها كل ليلة من حركة للكراسي وتغير للطاولات "مثل اجتماع سري للغاية" يعقد كل ليلة.

الهمسات التي تصلني وأظنها حلم، الأصوات التي تضج كل ليلة وأظنها بسبب الجدران الرقيقة التي تفشي أسرار الجيران، تحرك الأثاث وتبدل مكانه بينما أظن ذلك من فعل الخادمة.

حتى تحوّلت وداعة الكراسي العتيقة إلى عنف، مثل أن تقبض على طرف البنطلون حتى أقع، أن تختار أصبع قدمي الصغير لتضربه مثل إشارة تنبيه، أن يدخل الباب يده في أكمي حتى أتراجع، مثل كوب يسقط من يدي هذا الصباح بعيداً للغاية عن قدمي لكنه يخدشها بالكامل، حتى تسيل الدماء دون أن انتبه على طرف السجادة وكذلك على الرخام.

أن أقضي نصف ساعة كل مرة في البحث عن الريموت، ريموت المكيف وريموت التلفاز وحتى البطاريات. كأنما جنَّ المنزل بالكامل.

المنزل بالكامل يفتعل شجاراً حاداً، كانت كل هذا الإشارات متباعدة وغير متواترة، يفصل بينها وقت كافي لأنسى، لكنها اليوم تتكرر مثل قرصة أذن.

حتى المنزل يشعر بالإهمال.

لملمت شظايا الكوب المكسور والذي رسم بدوره صراخاً على الأرض، أجمع الزجاج وأقف مدهوشة أمام فم يصرخ أو هكذا ظننت، القهوة تريد أن تخبرني شيئاً.

انتبهت للدماء التي تسيل من قدمي، البقع على الرخام، أستدعي الخادمة لتكمل المهمة. بينما أنا غارقة في فكرة.

أنظف الجرح بينما أنا أفكر في مدى جدية عدوانية المنزل.

هل هذا الأمر حقيقي؟

هل يمكن أن يحدث؟

انتبه متأخرة لأيادي الأبواب المتهالكة، تستدعي الربط. لبعض الكهرباء وهي تومض في إشارة واضحة لوجود خلل يستدعي المعالجة. الطاولات التي تفقد في كل مرة أحد أرجلها في عرج واضح، الأكواب التي تقفز للهلاك، الريموت في ملل يبحث عن لعبة في كل مرة، السباكة المتهالكة تستدعي التدخل كل مرة.

يا لله كيف يخبو وهج الأشجار في الحديقة، حتى رغم الجدول الموضوع للعناية والاهتمام.

كأنما كل شيء يبدو باهت مؤخراً، يتهالك.

المنزل يشعر بالإهمال كذلك.

لم يكلفني الأمر شيء، كانت بداية فقط بالجلوس في الحديقة وإعادة الري بدلاً من إصدار الأوامر بذلك. إضافة بعض الكراسي المفضلة، استبدال الأرجوحة المتهالكة بأخرى.

حتى بدأ البيت يستعيد توهجه. أشعر بسعادته تغمرني، مثل احتضان. كأنما عدت له من طول غياب.

أجهز كوب القهوة هذه المرة، شموع وورد، أتدارك الأمر قبل أن يسقط الكوب من يدي وأنا ابتسم.

يتحول المنزل العدواني لبيت. بيت وديع وأنيق.

الخميس، 24 فبراير 2022

النوم في غرفة خاوية.


‏كان شعور مهيب ومخيف، الفراغ المحيط بالكامل يبعث على الخشية.

‏هناك قطع أثاث مستندة على الحائط بإنتظار إحالتها للتقاعد.

‏مصباح جانبي من محل ايكيا دون ملامح تميزه عن عشرات المصابيح مثله.

‏مفرش وحيد ووسائد وثيرة ومصباح جانبي صغير مخصص للقراءة وكتاب. وسبحة بخرزات بنية مصقولة بعناية، لامعة في جانب منها وكأنها كانت لاتنفك من يد صاحبها. ترتاح الآن متململة على طرف السرير المائل والذي يفكر هو الآخر في السقوط.

‏أنظر للسقف. حتى وأنا مستيقظة لأربعة وعشرون ساعة، لايهم. فهذا عناد محمول منذ الطفولة. سيحين النوم متى ماناسبه الوقت.

‏أغفو.. وتبدو الغرفة الخاوية موحشة للحظات. لكن هذا الهدوء الذي يقرص القلب يخبرني أن كل الضجيج في الأيام السابقة مصدره كل هذه الفساتين المصلوبة في الدولاب سابقاً.

‏وملابس الرياضة التي فقدت لياقتها في درج الإنتظار، الحقائب والقمصان والبجائم والملابس الداخلية. وكأنها كانت تعبئ الليل بحديثها

بحديثها الهامس مثل دوي نحل.

‏كيف سيبدو حديث أدوات الزينة التي تراقب بعضها من بعيد وعلى مسافة آمنة، لكنه حديث لايخلو من حروب خفية لاذعة من تحت العلب البلاستيكية التي تحتفظ بينهم بتلك المسافات الآمنة.

‏وماذا عن حديث المجوهرات الفاخرة، في صندوق زجاجي ومبطن بالمخمل، كيف سيكون حديث ساكن

ترتاح أذني. وتصغي السمع للهدوء في خارج الغرفة. والحديث المزعج الذي انتقل لغرفة مجاورة على إنتظار. إلى حين عودة.

‏الوسائد التي لاتتقن الحديث بقدر ماتتقن الإحتضان والتثاؤب.

‏المصباح من محل ايكيا دون علامة فارقة، مصباح قراءة صغير جانبي وكتاب.


‏ 

‏أغفو بعد أربعة وعشرون ساعة.

‏وأصحو فزعة.

كان هناك صخب من حولي تثيره الفساتين وقطع المجوهرات والقمصان والعطور، يخبئ صخباً أعلى في قلبي.

‏وكل أولئك العابرون .. اللذين تركوا أغانيهم وغادروا.


السبت، 8 يناير 2022

ليل مع سبق الإصرار والترصد.

موحش هذا الليل. تستيقظ به الوحشة، لتبدو لك كل الأصوات من حولك. ضجيج.

تصرّ أسنانها وتقضم أظافرها وتركل الأرض بقدمها.

وأنت رغم صمتك، ساحة معركة. يختارك هذا الليل. وهذه الوحدة. وهذه الوحشة. وهذا الصداع الذي يتكثف دون أن يهطل. وهذه الأغاني. وهذا اللحن. وهذا الملل. وهذه الكآبة مثل سحابة ممتدة. وهذه ذكرى وهذه خيبة. وهذا غياب وهذا اشتياق. وهذه رعشة. وبعض كلمات لطيفة تغمر قلبك. وبعض كلمات تنتزع لغتك. وفي بعض الحديث مثل السكاكين، ثمّة كلمات للسكينة. تهدهد ليلك. مثل كف باردة تمتص الحمّى من على جبينك. 

موحش هذا الليل. تستيقظ به الوحشة.