الخميس، 18 يونيو 2015

بعض الأشياء.

هرش أذنه مره، ثم عاود الكرة، ردد: قاتل الله الحساسية. ثم أخرج العم حسين المفتاح من جيبه وأدخله في أذنه اليسرى أولاً ثم أداره مراراً وتكرار، ولم تختل ملامح وجهه رغم تمعّر وجهي وانقباض قلبي، كرر ذلك في أذنه اليمنى مجدداً.
لاتفعل ذلك ياعم حسين، ربما تحتاج لمرهم أو قطرة تنهي هذه الحكة، لربما آذيت أذنك بهذا الفعل.
"يا ولدي وماذا سيفعل مفتاح مسنن في أذن صدئة غير أنه يجلو الصدأ" يعيد تركيب سماعته.."الأذن في مثل هذا السن مجرد ديكور لملامح وجه ملائمة أو كإسناد للنظارة، ليس أكثر من ذلك، لذلك هي الآن شيء مثل خاتم عتيق أو إطار نظارة أو علاقة مفاتيح".

أتذكر هذا الحديث وأنا أهرش أذني بمفتاح سيارة، أذن كبيرة ومجعدة، يفوتها الكثير من الصوت، يعبر من دونها الكلام، يسقط في تجاوفيها المعنى، لأستمر في عمر بالغ بوحدة صوت قاتلة والمتعة الوحيدة في ذلك هي استخدام أذنيك كشيء.

الثلاثاء، 12 مايو 2015

إعترافات مؤجلة.

ستنتهي الحياة وأنا لم أعترف لكم بحقيقتي .. 
فأنا رجل في السادسة والخمسين من عمري، أخترعت شخصية أسميتها نوف على اسم ابنتي البكر المتوفاة في سنتها الثانية، حينما كانت تركض خلف بالونتها وسقطت من الدور الثاني.  
بعدما افتقدتها .. أعدتها للحياة وكنت أنام كل ليلة وأنا أسأل ماذا لو كانت حيّة ترزق الآن، ماذا كانت ستصنع وماذا كان سينتظرها، كان سيكون عيد ميلادها التاسع والعشرون في مارس، وهكذا كنت أنام على كتف هذا السؤال واستيقظ بفكرة كاملة عن يوم جديد من حياة نوف. 
بالطبع الأمر سيكون سهلاً علي في بلد مثل بلادي ..حيث أماكنها المفتوحة معدودة وعلاقاتها محدودة، مما سهل علي المضي قدماً. 

يبدو أني أصبحت مهووساً بالفكرة لدرجة إهمالي لزوجتي، حتى طلبت الطلاق قبل خمس سنوات .. مهووس للغاية لدرجة لم أفتقدها طوال هذه السنوات الخمس. 

أملك قطة بعين واحدة سليمة وأخرى منطفئة تماماً، كأنما أطفئت بها شمعة. ويبدو أنها صماء فهي لاتتحرك من مكاني مهما هششتها حتى أدفعها بيدي، لا أذكر أني اشتريتها، غير أنه في ذلك اليوم وعندما غادرتني زوجتي، ويبدو أنها تركت باب المنزل مفتوحاً على مصراعيه، وقد وجدت فيه الهرة الهاربة غايتها. 

لايهم .. 
لكادت نوف أن تكون شيئاً واقعياً للغاية، أمراً لا مفر منه، أو ربما تختار أن تكون قنبلة نووية، غير أن تكون طفلة ذات السنتين مغروسة طائر في الجنة وبأقدام مقيدة في الأرض.

السبت، 9 مايو 2015

صدر عامر بالموتى.

لأن أبي قبل أن يموت، حمل الموتى في صدره، زحف إليه الوجع من أعمق نقطة في صدره، من أول ميّت عزيز عليه دفنه هناك، انتفض الوجع وزحف الموت حتى امتد لأقصى أطرافه.
أبي الذي مات وهو لايزال يقاوم الموت ولكنه يحن لأمه وأبيه، وأخته وأخيه، وابنته الذي قطفها الموت باكراً في ملامح الثلاثين الجادة.
لذلك انتفض الموتى بوفاته، فتهندمت الذكريات الشاحبه، واصطبغت بالألوان تلك الصور الرمادية، عادت الذكريات الحزينة دفعة واحدة، فنفض الموت، الموتى من على صدر أبي.
لذلك أمي بدأت تبكي أمها المتوفاة قبل أبي بسنة تقريباً.
لذلك ابنة أختي تشعر لأول مرة باليتم في وفاة والدتها.
لذلك أذكر ملامح عمي جيداً وصوته وضحكه ونكاته.
لذلك أتذكر جارتنا التي لم تنجب وكأني ابنتها، وعمتي البعيدة والتي كانت أول موت يهز طفولتي بدموع أبي، لذلك فتحت سرداباً في حداد أبي، لكل الموتى الذين نفضهم الموت عن صدر أبي، ليطمئنوا إلى صدري، يدخلون بكل هيبة الموت وسكينته وآخرهم يدخل بملامح قريبة من الحياة، بخفة البرزخ، ويغلق الباب على قلبي، لقد كانت خطوات أحبها جداً وافتقدها، لقد كان أبي.

الأحد، 22 مارس 2015

في عيد الأم وددت لو كنت أماً.

في عيد أمي وددت لو كنت أماً.

الطالب الياباني إيسي ساكاو ٣٢ سنة، طالب آداب في باريز. قتل وأكل في ١١ يونيو عام ١٩٨١م طالبة هولندية اسمها رينيه. تبادلا الزيارات لكنها كانت ترفض ممارسة الجنس معه لأنها لم تبادله الحب نفسه، في اليوم المشؤوم زارته في منزله وقام بقتلها ببندقيته وبعد نصف ساعة قام بإلتهامها واعترف قائلاً"عندما بدأت بفصل العظام بدأت أولاً بأكل الشفتين واللسان ثم أرنبة الأنف" واعترف بعد القبض عليه بقوله"لقد كنت سعيداً، كان معي كل الحق لقد كان لذيذاً" ثم أكمل "أكل هذه الفتاة كان تعبيراً عن ولهي الشديد بها، أردت أن أستشعر بداخلي حضور الانسان الذي أحببته".*

وهنا كان تعبيره عن منتهى الحب بالأكل .. وفي قبائل من الهنود الحمر كان لديهم  بدلاً من دفن موتاهم الأعزاء يقومون بأكلهم ثم يعلق زعيمهم بأنه لا أحد يعرف كيف يصبح من تحب جزءاً منك وداخل أحشاءك.

ولو كان الموضوع مرعب ومفزع ومخيف ومقزز، لكنه يحمل ملامح من المشاعر الحقيقية، مثل تعابير مختلفة "أبي آكلك.. تنوكل" ودخلت في الأغاني " لو خدك ياتفاح .. في الخد شكليته" ..

يفوق هذا الشعور اكتمالً ومثالية ورقة، يفوق كل الوصف ويغذي كل هذا الإحساس بالحب .. الحمل والأمومة.
كيف تحمل قطعة منك في داخلك، كيف تنمو مشاعرك على صورة طفل يتحرك في أحشائك، يتكون كل هذا الحب وتحمله قرابة سنة ليتوافق مع كل إحساس تحمله وكل جين منك وكل فكرة قديمة قد تكون نسيتها، ملامح وأفكار وذكريات وعمر، كل ذلك منك.
لذلك الأمومة تبقى الأمر الوحيد الذي لن يمتلك الرجل مهما أوتي من قدرات ومن مشاعر ومن إبداع تصويره، بينما بإمكان أبسط إمرأة التعبير عنها ولو بكلمات بسيطة وتعابير سهلة، لن يعرف أحدهم الشعور بتحرك قفص صدري لين وغض بخفة يرتفع ويرتخي بينما تتأمله بعين حب لاتملك كلمة كافية لوصف اللحظة.

لذلك ترغب المرأة في الزواج وتركض خلفه، مهما كانت فكرتها سوداء عن الرجل، تجد الشعور بالأمومة والرغبة فيها تفوق كل فكرة سيئة وكل لمحة قاتمة عن حقيقة المشاركة في الحياة برجل.
لا أقول هنا أن النساء بلا عقل، حيوانات في بحثهم عن رغبتهم في الأمومة وإصرارهم عليها، أو أننا لازلنا في مجتمع بدائي حيث لم يكن مطلوباً من المرأة غير أن تنجب وهي راضخة لتلك المطالب، بينما قد ترفض بعضهن في وقتنا الحالي الزواج حتى تجد فرصة مناسبة وتفكيرها منصباً في الجينات الجيدة التي تتمناها لأطفالها حتى لو لم يكتب لهم القدر الحضور. قد تعزف الفتاة عن الزواج مادامت الفرص المتوفرة دون المستوى، وقد تقبل بعضهن فقط لمجرد الإنتهاء من متابعة المجتمع لها وترصده لهن. وقد يتم الزواج خارج إطار الحب فقط ليورثن أطفالهن بعض الصفات الجيدة في نظرهن.

هنا احترم رغبة الفنانة أليسا وتصريحها بشأن حبها للأمومة ورغبتها في ذلك خارج إطار الزواج، وذكرت أنها ترحب بالتلقيح الإصطناعي، حتى لو كانت الفكرة لاتناسب ديننا ومجتمعنا، تظل رغبتها وتصريحها فكرة تراود الغالبية العظمى من النساء. أن يكن لها الخيار في البقاء أم عازبة.

في النهاية تبقى الأمومة رغم كل التطرف الحديث في سلبها جماليتها وتشويهها من قبل أسئلة وأفكار في ظني أنها ناقصة على شاكلة " كيف يكون لك قلب في جلب طفل على هذا العالم؟ ، كيف أفكر في صناعة طفل في وطن رجعي؟، كيف تكونين بهذه الأنانية في إشباع رغباتك وصناعة حياة في ظروف حياتية قابلة للإنفجار؟، أنا لا أصلح أن أكون أماً ولن أرهل جسدي ولن أفكر في طباعة نسخ مكررة مني.". تبقى الشعور الأجمل وحالة من التصوف وسلم موسيقي ولحن نادر وفكرة بكر وإحساس غض وباقة كاملة من السعادة.

الأربعاء، 11 مارس 2015

على سيرة الإفتراس الآدمي.

بعد قراءة كتاب"إفتراس اللحم الآدمي". أيقنت أن الإفتراس لايزال قائماً بحد ذاته حتى لو كان بصور وأشكال محتملة وبصور مشاهدة ، مثل ترك أحدهم يقع في هاوية الجوع فقط لإستشعار اللذة والقوة كما في سوريا الآن، مثل حرق آخر حتى يتفحم والعكوف على المشاهدة حتى ينتهي الأمر كلياً تحت مسمى الثأر، كمن يمنح أطفاله الحق في ضرب وشتم وتخويف طفل آخر لتأصيل منهج ديني في داخلهم، كل ذلك إنما هو إفتراس ولو لم يحدث أن تم تقطيع أنوف وكسر أقدام وبتر أعضاء ومضغ قلوب وكبود. 
مهما كانت الخلفية المرجعية لمثل هذه الإنتهاكات هي لاتخرج عن معنى الإفتراس المقزز. 

لذلك الإنسان وحده الحيوان الذي تقع حيوانيته بإختياره، وهمجيته مهما ماكان فيه من تطور ورقي بإختياره لهي أشد من الهمجية الناتجة عن الجهل وطريق المعرفة الأولى. 

لكن بعيداً عن كل الصور السابقة .. تظل البشرية الحيوانية التي تقترف جرائمها بحق الآخر بحكم وقوعها تحت تأثير المخدرات أو المسكرات هي أفضعهم وأبشعهم. 
مثل زوج يسحل زوجته في وقتنا الراهن وأمام منزل أهلها حتى تلفظ أنفاسها ثم يجرم بالسجن سنتين فيتم إطلاق سراحه بحكم أنه غير عاقل ومدرك لما يفعل لهو إفتراس. 
كأن ينحر آخر زوجته حتى يفصل رأسها عن جسدها ثم لايتم اتهامه بحكم عدم اتزانه ومرضه النفسي فهذه جريمة تعد من جرائم الإفتراس. 
ثم يقضي زوج على رحلة عائلية بحكم رغبته الملحة في تذوق طعم ابنه بعمر السنة الواحد هو الإفتراس الكارثة التي تلحق بالزوجة والرعب الذي لن توقفه السنين.
مثل هذه الجرائم والتي تحدث في بيئة تعد مستقرة وساكنة لينبئ بحدوث مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في حال وقعت مثل هذه البيئة المترفة تحت رماح الحرب. 

الخميس، 8 يناير 2015

متى نصر الله؟

"متى نصر الله".
هذا ماطرأ على بالي وأنا أتقلب على فراشي محفوفه بالقلق. رفعت صوتي "متى ترحمني".
متى تكف الحياة عن مشاغبتي.
متى أكف عن القلق.
متى أنتهي من الركض، حتى لو كان الركض لايبرح مكاني.
متى تنظر لي بعين الرحمة، وأنا المتحولة لعين القسوة، حتى اخشوشنت أطرافي.
وأنا التي كلما قضت فترة من عمرها، ابتسمت برضا وتحدثت بثقة، لقد تجاوزت أسوأ مايمكن أن يمر علي في حياتي، سيكون هناك الأجمل، ولاينتظرني إلا الأسوأ ذاته.
متى أنام بضحكة شاسعة واستيقظ على حلم جميل، وكأن مجرد التفكير بذلك ضرب من السذاجة.
لكنني مللت مني، هذا الكائن البائس والمثير للشفقة أينما حل، مللت من العمر المهدور دون أن يكون فيه شيء لي، مللت من نومي ومن استيقاظي.
ولاينتهي هذا الملل ولايفنى ولكنه يولد من العدم ويكبر في العدم ويتمدد في عروقي حتى آخر قطرة. حتى أُحبس وحيدة في جزيرة نائية بعدد لامنتهي من التجاعيد.

خطبة الجمعة.

خطبة الجمعة..

أحياناً لشدة إغتراب الشخص عن ذاته، ينسى الخير المزروع داخله، لذلك إما يحتاج تذكير أو يحتاج إشادة وتربيت على الأيدي.

الخير لايشمل الخير الفعلي فقط، قد نذكر شخص بأنه جميل فهذا خير، قد نعبر لآخر عن سعادتنا بوجوده وهذا خير، قد نخبر أحدهم أن ضحكاته المصورة باعثة على السعادة وهذا خير، قد نشعر البعض بالإهتمام المفقود وهذا خير، قد نذكر الشخص بروحه الجميلة التي كانت، قد نصنع من الألم سخرية تقزم الأوجاع وهذا خير.

بعد حديث مها عني، "كيف تساوين بيني وبين أطهر شخص عرفته بالساخر"، حديث لطيف وأشعل في رأسي إضاءة خافتة.. جلست بعدها أبحث عن الخير الذاتي، أعرف تماماً أنني لست ملاكاً ولست شيطاناً، لست بمنتهى الحكمة والنبل ولست بمنتهى المكيدة والحسد، لست بمنتهى الأمنيات الجميلة للآخرين ولاأتمنى لهم السوء.. وكما ذكرت من قبل "أنا سعيدة من أجل كل سعيد وحزينة من أجل كل حزين".

لكن لنظن بالنفس خيرا. هذه المرة، لنتذكر الهبات الخاصة لنا من دون البقية، لنتبختر ببعض الصفات النبيلة رغم كل الظروف والتي لازالت، لنتباهى قليلاً ببعض مانملك دون إنقاص لأحد ومن غير إجحاف للذات.

أذكر هذا الحديث تماماً وأنا أتذكر حادثة قبل عدة أيام، عندما زارتنا إحداهن، وعلى غير العادة كان حضورها بالكثير من الهدايا والصواني والتقديمات، كانت تعطيني الأكياس والهدايا وأنا أقرأ الإمتنان والأماني في عينيها.
بعدها فتحت لنا حديث عن ابنتها"سلفتي سابقاً"، قالت أنها منذ ثلاثة سنوات وهي لاتخرج من منزلها ولاحتى لزيارتي أنا أمها، وحالتها مريبة ومتدهورة، وكيف أحضرت لها المشائخ والقراء من دون فائدة.
انتهى الحديث هنا وانتهت الزيارة، جلسنا نستذكر الموضوع واستنكرت أختي الحالة جداً وردت أمي بهدوء وحكمة وعينها لاتبرحني .."ليش ماتكون دعوة صابتها في عسرة". بعدها قالت سامحيها يابنتي.
صدمت من الفكرة، أن الله قد يكون استجاب لي فعلاً، أن الله وأنا في غياب تام عنه وفي غضب وحنق عليه كان يعمل من أجلي دون علمي، وأنه بعد كل هذه المدة جاءت الأخبار بتوكيد أن الله كان يدبر الأمر بعيداً عني.
رغم أني كنت حزينة على حالها لكنني كنت سعيدة بهذه الإشارة الإلهية، وأنه يدبر الأمر بعيداً عنا تماماً، لكنه لم يغفل عنا.
وكان ردي أني لم أذكر أحد باسمه لكني دعوت الله من أرادني بسوء فاشغله بنفسه.

فرغم كل تجاوزاتك، رغم ابتعادك واقترابك، رغم حضورك وغيابك، قد تكون تحمل في داخل بذرة خير، لاتراها بنفسك ويراها الآخر فيك حقيقة لاتغيب.

أقم الصلاة.